الصالحي الشامي

477

سبل الهدى والرشاد

وحكى السمر قندي أن ذنبه الذي استغفر منه قوله لاحد الخصمين : ( لقد ظلمك ) ، فظلمه بقول خصمه . وقيل : بل لما خشي على نفسه ، وظن من الفتنة بما بسط له من الملك والدنيا . وإلى نفي ما أضيف في الاخبار إلى داود من ذلك - ذهب أحمد بن نصر ، وأبو تمام ، وغيرهما من المحققين . وقال الداودي : ليس في قصة داود وأوريا خبر يثبت ، ولا يظن بنبي محبة قتل مسلم . وقيل : إن الخصمين اللذين اختصما إليه رجلان ، في نعاج غنم ، على ظاهر الآية . وأما قصة يوسف وإخوته فليس على يوسف فيها تعقب ، وأما إخواته فلم تثبت نبوتهم فيلزم الكلام على أفعالهم . وذكر الأسباط وعدهم في القرآن عند ذكر الأنبياء ليس صريحا في كونهم من أهل الأنبياء . قال المفسرون يريد من نبئ من أبناء الأسباط . وقد قيل : إنهم كانوا حين فعلوا بيوسف ما فعلوه صغار الأسنان ، ولهذا لم يميزوا يوسف حين اجتمعوا به ، ولهذا قالوا : أرسله معنا غدا نرتع ونلعب ، وإن ثبتت لهم نبوة فبعد هذا ، والله أعلم . وأما قول الله تعالى فيه : ( ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه ) [ يوسف 24 ] فعلى طريق كثير من الفقهاء والمحدثين أن هم النفس لا يؤاخذ به ، وليس سيئة ، لقوله صلى الله عليه وسلم - عن ربه : " إذا هم عبدي بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة " ، فلا معصية في همه إذا . وأما على مذهب المحققين من الفقهاء والمتكلمين فإن الهم إذا وطنت عليه النفس سيئة . وأما ما لم توطن عليه النفس من همومها وخواطرها فهو المعفو عنه . وهذا هو الحق ، فيكون - إن شاء الله - هم يوسف من هذا ، ويكون قوله : ( وما أبرئ نفسي إن النفس لامارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم ) [ يوسف 53 ] . أي ما أبرئها من هذا الهم ، أو يكون ذلك منه على طريق التواضع والاعتراف بمخالفة النفس لما زكي قبل وبرئ ، فكيف وقد حكى أبو حاتم عن أبي عبيدة - أن يوسف لم يهم ، وأن الكلام فيه تقديم وتأخير ، أي : ولقد همت به ، ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها ، وقد قال الله تعالى - عن المرأة ( ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ) [ يوسف 32 ] . وقال تعالى : ( كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ) [ يوسف 24 ] . وقال تعالى : ( وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي ) [ يوسف 23 ] الآية .